القرطبي
125
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
ريح كادت السفينة أن تغرق ، فاجتمع أهل السفينة فدعوا فقالوا : أيقظوا الرجل النائم يدعو معنا ، فدعا الله معهم فرفع الله عنهم تلك الريح ، ثم انطلق يونس إلى مكانه فرقد ، فجاعت ريح كادت السفينة أن تغرق ، فأيقظوه ودعوا الله فارتفعت الريح . قال : فبينما هم كذلك إذ رفع حوت عظيم رأسه إليهم أراد أن يبتلع السفينة ، فقال لهم يونس : يا قوم ! هذا من أجلى فلو طرحتموني في البحر لسرتم ولذهب الريح عنكم والروع . قالوا : لا نطرحك حتى نتساهم فمن وقعت عليه رميناه في البحر . قال : فتساهموا فوقع على يونس ، فقال لهم : يا قوم اطرحوني فمن أجلى أوتيتم ، فقالوا لا نفعل حتى نتساهم مرة أخرى . ففعلوا فوقع : على يونس . فقال لهم : يا قوم اطرحوني فمن أجلي أوتيتم . فذلك قول الله عز وجل : " فساهم فكان من المدحضين " أي وقع السهم عليه ، فانطلقوا به إلى صدر السفينة ليلقوه في البحر ، فإذا الحوت فاتح فاه ، ثم جاءوا به إلى جانب السفينة ، فإذا بالحوت ، ثم رجعوا به إلى الجانب الآخر بالحوت فاتح فاه ، فلما رأى ذلك ألقى بنفسه فالتقمه الحوت ، فأوحى الله تعالى إلى الحوت : إني لم أجعله لك رزقا ولكن جعلت بطنك له وعاء . فمكث في بطن الحوت أربعين ليلة فنادى في الظلمات " أن لا إله إلا أنت سبحانك انى كنت من الظالمين . فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين " وقد تقدم ويأتي . ففي هذا من الفقه أن القرعة كانت معمولا بها في شرع من قبلنا ، وجاءت في شرعنا على ما تقدم في " آل عمران " ( 1 ) قال ابن العربي : وقد وردت القرعة في الشرع في ثلاثة مواطن ، الأول كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه ، فأيتهم خرج سهمها خرج بها معه ، الثاني - أنن النبي صلى الله عليه وسلم رفع إليه أن رجلا أعتق ستة أعبد لا مال له غيرهم ، فأقرع بينهم ، فاعتق اثنين وأرق أربعة . الثالث - أن رجلين اختصما إليه في مواريث قد درست فقال : " اذهبا وتوخيا الحق واستهما وليحلل كل واحد منكما صاحبه " . فهذه ثلاثة مواطن ، وهي القسم في النكاح والعتق والقسمة ، وجريان القرعة فيها لرفع الإشكال
--> ( 1 ) راجع ج 4 ص 86 طبعة أولى أو ثانيه .